السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

290

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

دع المقادير تجري في أعنّتها * ولا تبيتنّ إلّا خالي البال ما بين غمضة عين وانتباهتها * يغيّر اللّه من حال إلى حال « 1 » ولقتل خمارويه هذا خبر غريب ، وذلك أنه رأى قبل قتله بأيّام في منامه رجلا يشير إليه بأصابع يده الخمس ويكرّر ذلك عليه . فاستوحش ممّا رأى وقال : هذه مدة عمري إمّا خمسة أيام ، أو خمسة أشهر ، أو خمس سنين فأحضر رجلا يحسن التعبير وقصّ عليه رؤياه . فتخوّفه من التأويل الذي وقع له وقال : لا شيء عليك وفسّره بقول اللّه تعالى في سورة لقمان من الآية المفردة بالخمسة الأشياء التي لم يطّلع عليها أحد من خلقه إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ « 2 » فسرّي عنه ، وأمر للمعبّر بجائزة سنية . فلما كان بعد ثلاثة أيام رأى أبو الجيش - وهو خمارويه المذكور - في منامه كأنه قد صعد نخلة ، فلما وصل إلى رأسها أقبل يقوّر جمّارها وقلبها فيرمى به ، حتى بان في النخلة مكان ما تقوّر من قلبها ، وقد صار في موضع التقوير دم . واستيقظ فقصّ ذلك على هذا المعبّر فقال : خيرا رأى الأمير ، وخيرا يلقاه ، فقال له : أبن على كلّ حال ، فقال : يعفيني الأمير ، فلم يعفه ولجّ في المطالبة بالتفسير ، فسأله الأمان على نفسه وماله ، فأعطاه ذلك ، فقال له : أيّها الأمير إنّي أخاف عليك أن يغتالك بعض خاصّتك . قال : ومن أين ؟ قال : لأنّك أنت النخلة ، وتقويرك بيدك قلبها وهو أفضل ما في جسدك وهو قلبك بأيدي قوم اصطنعتهم وهم غرس يدك ، فاحترس . فلما كان في تلك الليلة وهي الخامسة من الرؤيا قتله الخدم ذبحا على منامه ، فضم المنامان واللّه أعلم . فائدة : أكثر التعبير للرؤيا إنما يجري على هذا الوجه من الاعتبار بما رأى على طريقة التمثيل . وكثير من معاني القرآن أيضا جرى على التمثيل والتشبيه ، وذلك نحو قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ « 3 » فإنّه على

--> ( 1 ) في ك ، وأ ( نومة ) مكان ( غمضة ) . ( 2 ) الآية ( 34 ) من سورة لقمان . ( 3 ) سورة الرعد / 17 .